أبو حامد الغزالي

19

محك النظر

كان أتباعهم ينشأون على أشدّ التعصّب وأغلظه . . . » « 1 » . بينما اعتبر البعض فرقة قلعة الموت ظاهرة إصلاح في الحركة الإسماعيليّة ، ووجد كوربان في الحسن بن الصباح شخصيّة قويّة شوّهتها النصوص المختلفة . ورأى أنّ هذا الرجل لعب دورا عظيما في تنظيم الفرق الإسماعيليّة في إيران « 2 » . إنتقد الغزالي هذه الفرق وطرقها بشدّة ، حتّى صنّفه البعض بحجّة الإسلام المدافع عن السنّة ، وأحد دعاة الحكم السياسيّ السلجوقيّ ومفكّريه وأنصاره . وكانت السنّة قبل الخلافة الفاطميّة مذهب الحكّام السياسيّين تقريبا ، وانحاز إليها الأتراك لما تمثّل من معتقد واضح ورصين « يتلاءم وعقولهم البسيطة ، فأقبلوا عليها واعتنقوها » « 3 » . أثّر في الغزالي أيضا تيّار الفلاسفة والمتكلّمين . فآراء ابن سينا كانت تموج في فارس وفي أرجاء الأمبراطوريّة الإسلاميّة قاطبة ، يتداولها المثقّفون والمفكّرون . ونجد أنّ الفرق بين وفاة ابن سينا ومولد الإمام لا يتجاوز عشرين عاما . وقد شكّل ابن سينا ، والفارابي قبله ، تيّارا فلسفيّا قويّا تبنّى الأرسطويّة الممزوجة بالأفلاطونيّة المحدثة ، وأطلق عليه تيّار المشّائيّة الإسلاميّة . واكتمل في عصر الغزالي التيّار الكلاميّ بعد أن ظهرت معظم آراء المعتزلة وشروحهم وحجاجهم الجدليّ . وللمعتزلة مذهب في الحريّة العقليّة وفي قدرة العبد على الفعل . وقد هيّأ الموقف الكلاميّ لتلقّي الآراء والأفكار الدخيلة على الإسلام ، بعد أن أقرّ باستقلاليّة العقل ، وسار خطوات في تخليص التفكير من التباسه الدغماطيّ ، وتسليمه الإيمانيّ المطلق . فخلق هذا روحا نقديّة ونظرا متجدّدا ، كان لهما الأثر القويّ في

--> ( 1 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، ص 282 . ( 2 ) كوربان ، هنري ، تاريخ الفلسفة الإسلاميّة ، ص 158 . ( 3 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب ، ص 272 . وربّما قصد المترجم بالبسيطة مستقيمة الرأي وقويمة المذهب .